محمد بن جعفر الكتاني

375

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

والتآليف المفيدة ، شيخ الجماعة في وقته : أبو عبد اللّه سيدي محمد ( فتحا ) بن قاسم بن محمد بن قاسم بن أحمد جسوس . كان - رحمه اللّه - بحرا لا يجارى في مجاري العلوم ، ومهنّدا يفري أديم المشكلات بماضي الفهوم ، حافظا ضابطا متقنا ، ماهرا محصلا متفننا ، عارفا بالأصول والفروع ، حاضرا للأفراد والجموع ، مشاركا في معقول العلم ومنقوله ، بنظر يؤدي إلى تحصيل معلومه ومجهوله ، في منطق وبيان ، وعربية وأصلين ، وتصوف وفقه ، وحديث وتفسير ، مع استغراق الأزمان ، في الاعتناء بالمطالعة والتقييد ، والمدارسة والحفظ ، والحرص على الاستفادة والإفادة بكل وجه حسب الإمكان . ذا أخلاق حسنة ، وأوصاف مستحسنة ، جامعا للسنة المحمدية حائزا لها ، سالكا من الطرق المتينة وعرها وسهلها ، حتى أشرقت عليه أنوار المحبة الإلهية ، وتوفرت فيه شروط الأوصاف المحمدية الكمالية ؛ من الخشوع والتواضع والخضوع ، والصيام والقيام وغلبة الدموع . وكان كثير الدوام على " مختصر " خليل تدريسا وإقراء ، وأخذه عنه غالب نجباء الوقت ، وكذلك رسالة ابن أبي زيد ، وحكم ابن عطاء اللّه ، والبخاري ، و " الشمائل " . وكان على مجلس تدريسه طلاوة ، وفي كلامه فصاحة وحلاوة ، لما أعطاه اللّه من التواضع واللطافة ، والحنانة والسكينة والفصاحة ، والحفظ الوهبي ، وتمكن المحبة من سويداء قلبه ، حتى كان تقرير مجلسه في كل علم ممزوجا بالتصوف امتزاجه بدمه ولحمه ، وانتهت إليه المشيخة في الجماعة في وقته ، وأكب الناس عليه لانفراده بالاجتهاد وجودة القريحة ، وحسن الطوية ، والأخذ بآثار السلف الصالح من التخلق بالدين والعرفان ، والقناعة والصمت ، والزهد والورع ؛ والنسك والذكر ، والتلاوة والتنزه عن الأسباب المخلة بالمروءة . بل تفرغ للإفادة عنه والانتفاع به نهارا ، وللعبادة بالتهجد نافلة ليلا ، فبورك له في العمر بامتداده ، ممتعا ببعض القوى التي يقدر بها على الكثير من أنواع الطاعات ، حتى كثر الآخذون عنه من جميع الأقطار ، كثرة لا يأتي عليها الانحصار ، وكان يقرأ صحيح البخاري بعد صلاة الصبح بضريح [ 330 ] سيدي أحمد ابن يحيى - نفعنا اللّه به . وكان قد أخذ عن أبي عبد اللّه المسناوي ، وأبي عبد اللّه سيدي محمد بن عبد القادر الفاسي ، وولده سيدي الطيب ، وسيدي العربي بردلة ، وعمه أبي محمد سيدي عبد السلام جسوس ، وأبي عبد اللّه ابن زكري ، وأبي عبد اللّه القسمطيني الشريف الحسني ، وأبي عبد اللّه ابن عبد السلام بناني ، وسيدي محمد بن حمدون بناني ، وسيدي أحمد الجرندي ، وسيدي علي الشرادي ، وسيدي علي الحريشي ، وسيدي محمد ميارة الصغير ، وأبي عبد اللّه المشاط ، وابن عمه أبي العلاء إدريس المشاط . . . وغيرهم ، وعمدته في جميع الفنون : المسناوي ، وعمه جسّوس ، وابن زكري .